عهدالأمان لغيرالمسلمين المسالمين

58- عهدالأمان لغيرالمسلمين المسالمين:
********************************
.
.
.
السؤال : ماقول اهل العلم الشرعي فيمن جاء نا من الشبيحة أو النظام الكافر القاتل إن جاءنا تائبا نادماً على ما صدر منه من أعمال إجرامية لوقوعه في تلك الأخطاء نتيجة الجهل والتغرير أو الخوف من المستقبل المجهول،وما الحكم فيمن ارتكب جرائم،فهل يقام عليه الحد الشرعي،وهل يكلف بدفع الدية والغرامة على ما ارتكبه من أخطاء .
…………
الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله
قال الله تعالى:
(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
الأنفال.
وقال تعالى:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواعَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
الزمر.
…………
والتوبة هي :
1- الإقلاع عن الذنب .
2-وعدم العود متصلاً بالموت.
3-والندم عما فات .
4- والاستغفار.
5- وإعادة حقوق الآدميين إلى أصحابها .
…………..
وباب التوبة مفتوح ..
ولعل ذلك من التطبيقات السياسية في الإسلام للاحتفاظ بالفرد المسلم عضواً صالحاً في المجتمع المسلم،
يقول عليه الصلاة والسلام:
إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر.
حديث حسن
اي عند عند خروج روحه.
ويقول تعالى:
((فمن تاب من بعد ظلمه واصلح فان الله يتوب عليه.))
المائدة.
ويقول تعالى:
((كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفوررحيم*وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين))
الأنعام.
ويقول تعالى:
((..إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفوررحيم ))
المائدة.
ا.هـ التحصين ضد الجرائم في الشريعة الإسلامية.
…………………..
فشرط قبول توبتهم إن جاؤا باختيارهم قبل القبض عليهم
هذا حكم الحرابة والمحاربين حصراً
وليس هذا الحكم في الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام
ولا المرتد المقدور عليه .
مع أنه ليس كل موالاة للكفار يكون صاحبها كافرا،
فقد اشترط بعض العلماء مع مساعدة الكفارالمودة لهم؛
لقول الله تعالى: { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ }
واشترط بعض العلماء كذلك ألا يخشى أو يخاف المسلم سطوة الكافر وظلمه لعدم المساعدة أو التظاهر بها
( مالم تصل هذه المساعدة إلى نصرتهم بقتال المسلمين )
لآية الممتحنة .
………….
وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة وما فيها من الفوائد، ففعلُ حاطب نوع من الموالاة بدليل سبب نزول الآية في قوله تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ))
فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به ولم يكفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“خلوا سبيله”.
كما أنه يلزم من هذا عدم تكفير المعين،
وتكفير المعين لا بد له من وجود شروط التكفير كلها وانتفاء موانعه كلها.
قال ابن تيمية:
(( وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ،وتبيَّن له ،ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد قيام الحجة وإزالة الشبهة ))
وقال عن الإمام أحمد ما كان يكفر أعيان الفرقة الضالة الجهمية
(يعني أنه كان يطلق الكفر على الصفة بالجملة دون تخصيص أشخاص بأعيانهم،
فإن تكفير المعين لايجوز إلا بعد توافر جميع شروط التكفير وانتفاء جميع موانعه) ا.هـ الأعمال الفدائية صورها وأحكامها بتصرف.
………………..
وأما جواب السائل ما الحكم في هؤلاء إذا ثبت بالأدلة والشهود عن اقترافهم للجرائم.
فالجواب:
1- أنهم لايقتلون.
2- ولا تقام عليهم الحدود الشرعية.
3- ولا يغرمون دية القتلى كل هذا إذا كانوا كفاراً أصليين أو مرتدين، وهذا هو الغالب على الواقفين مع النظام الكافر.
………. أولاً:لأنهم إما كانوا كفرة أصليين،والكافر الأصلي لاتقام عليه الحدود إذا أسلم،
……. ثانياً:وإما كانوا مرتدين والمرتد لاتقام عليه الحدود في مثل هذا الحال لأنَّ الصحابة لم يقيموا الحدود على الذين أسلموا أوسلموا أنفسهم من المرتدين في حروب الردة الشهيرة.
………. ثالثاً:ولا يغرمون دية القتلى من إخواننا حيث تم إجماع الصحابة بعد المناظرات بين أبي بكروعمروالصحابة على تركها
(( فعَنْ قَيْسِ بْنِ أَسْلَمَ عْن طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ،قَالَ: جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ
(رؤساء المشركين) إلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ
(بعدانهزامهم في حروب الردة) فَخَيَّرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ ،أَوْ السَّلْمِ الْمُخْزِيَةِ،قَالَ : فَقَالُوا:هَذَه الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا, فَمَا السَّلْمُ الْمُخْزِيَةُ،
قَالَ:قَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُؤَدُّونَ الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ
(تسلمون أسلحتكم وأموالكم ومواشيكم لنا)وَتُتْرُكُونَ أَقْوَامًا تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الإِبِلِ
(تعيشون مع دوابكم بلا سلاحٍ ولا عتادٍ ولا جيشٍ ولا تنظيم)
حَتَّى يُري اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ أَمْرًا يَعْذِ رُونَكُمْ بِهِ ,وَتَدُونَ قَتْلاَنَا (أي تدفعون دية قتلانا)،وَلاَ نَدِي قَتْلاَكُمْ,وَقَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَكُمْ فِي النَّارِ
(تُقِرُّون بذلك), وَتَرُدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا (من غنائم) وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ ،فَقَام:عُمَرُ
فَقَالَ : قَدْ رَأَيْتَ رَأْيًا ,وَسَنُشِيرُ عَلَيْك ,أَمَّا أَنْ يُؤَدُّوا الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ فَنِعْمَ مَا رَأَيْت,وَأَمَّا أَنْ يُتْرُكُوا أَقْوَامًا يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الإِبِلِ حَتَّى يُرَى اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَهُمْ بِهِ فَنِعْمَ مَا رَأَيْت,وَأَمَّا أَنْ نَغْنَمَ مَا أَصَبْنَا مِنْهُمْ وَيَرُدُّونَ مَا أَصَابُوا مِنَّا فَنِعْمَ مَا رَأَيْت , وَأَمَّا ، أَنَّ قَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ وَقَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ فَنِعْمَ مَا رَأَيْت , وَأَمَّا أَنْ لاَ نَدِيَ قَتْلاَهُمْ فَنِعْمَ مَا رَأَيْت , وَأَمَّا أَنْ يَدُوا قَتْلاَنَا فَلاَ , قَتْلاَنَا قُتِلُوا ، عَنْ أَمْرِ اللهِ فَلاَ دِيَاتٍ لَهُمْ , فَتَتَابَعَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ))
البخاري.
………..
فكان رد عمر بن الخطاب أنَّ قتلانا شهداء عند الله تعالى وأجرهم على الله، ولا دية على هؤلاء اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة)
الأحزاب.
فوافق الصحابة عمر فكان إجماعاً.
………… رابعاً: للتغريروالجهل بواقعهم زعموا بأنَّ المقاتلين للنظام إرهابيون يعملون لجهات غريبة لتخريب البلاد وأن غالب أمتنا وشعوبنا تجهل حقيقةالإسلام وأنهم ضحية هذا التجهيل منذ قرون،فالحكم عليهم بالردة جميعاً ربما يكون فيه مغالات وغلط ،وإذا حكمنا عليهم بالكفر ربما يكون فيه تجاوزعلى الحقيقة وظلمٌ لهم، والظاهر أن حالهم مأساوي محير؟!!
وفي مثل هذا الحال لاتقام عليهم الحدود الشرعية لعدم وضوح الحقيقة وللشبهات
والقاعدة تقول :
((ادرؤا الحدود بالشبهات ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم ))
البيهقي.
وعن عمر قال: لأن أخطئ في دفع الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات.
……… خامساً:لقداختلف الأئمة في حكم قتل الجاسوس المسلم،فهذا الشبيح وأمثاله لايقتلون من بابٍ أولى،لأن جرائم الجاسوس أبعد أثراً وأعظم خطراً إلا إن ثبت قتله لمسلم بسبب تجسسه فيقتل حداً لاكفراً.
والمذهب الثاني هو كافر بعدائه للمسلمين وسعيه في نصرة الكفرة عليهم،فيقتل كفراً لا حداً.
وهذا ولاءٌ وكفرٌ ظاهرلقوله تعالى :
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
المائدة.
……..
سادساً:لايقتل هؤلاء وأمثالهم لعدم اقامة الحدود في أوقات الحروب للنهي عن ذلك.
……
سابعاً:إذا لم نوف بوعدنا لهؤلاء التائبين من قبولهم نكون قد أغلقنا الباب في وجوه الراغبين في الانشقاق عنهم
(كما قال الأول: وقد يحسن المرء لعدوه من حيث لايدري!!) .
……..
ثامناً: لايقتلون لأنهم جاؤا تائبين مختارين ثقة بالأمان المعلن عنه من الهيئة الشرعية وهذا وحده كافٍ.
…….
تاسعاً:لايقتلون لأنهم جاؤا تائبين قبل القدرة عليهم بنص الآية القرآنية.
(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)
المائدة .
………
عاشراً:لايقتلون وأكبر دليلٍ في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يتبرأ فيه من قتل خالد بن الوليد ومن قتل اسامة ابن زيد لذلك الكافر المحارب الذي أعلن توبته حينما رأى الخطر فوق رأسه محدقا به في الحرب الطاحنة،فمثل هؤلاء أولى بالا يقتلوا بل الأولى أن يكرموا ويحسن إليهم مادام الله ورسوله قبل توبة الكافر المحارب.
……
ومن أجل أن يكونوا عوناً لنا على أعدائنا بعد تفهيمهم عظم جرمهم وأن عظم هذا الجرم يستدعي منهم مواقف جهادية عظيمة مقابل مواقفهم تلك
لأن الله يقول (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ )
هود114.
………….
ملحوظة:
******
وبما أن الهيئة الشرعية أعلنت على لسان مسئوليها قبول توبة التائبين من الشبيحة والمتعاونين والموالين للنظام الكافر من مقاتلين عسكريين ومدنيين وأنهم آمنون على دمائهم وأموالهم إن جاؤا تائبين باختيارهم قبل القبض عليهم.
…………
1- فالجواب يجب قبول توبة هؤلاء وتأمينهم على دمائهم وأرواحهم وأموالهم حسب الوعد من قبول توبتهم،
2- ولا يجوز في مثل هذا الحال الإساءة إليهم من أي جهةٍ في مناطقنا المحررة.
…………..
وتعريف المعاهد في عرف الشرع يختص بمن يدخل من الكفارفي عهد المسلمين،وكذلك ذوالعهد من المغرربهم ممن ظاهرهم الردة عن الإسلام من باب أولى،
فعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم
(المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم
(يحق لكل فردٍ وإن كان من العامة في المجتمع الإسلامي
أن يعطي عهد الأمان)
ويرد عليهم أقصاهم
(يرد عليهم لهفتهم وحقوقهم لأنه منهم)
وهم يد على من سواهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذوعهد في عهده)
أبو داود.
…………
والأمان هو من السياسة الشرعية المتعلق بالأمير وحده.
فيحق له أن يمنع جنوده إعطاء الأمان إن اقتضت مصلحة المسلمين ذلك للضرورة.
ويدل على هذا حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ))
اخرجه البخاري.
………….
ويدل عليه أيضاً حديث أم هانئ رضي الله عنها
قالت: يا رسول الله زعم ابن أمّي علي أنه قاتلٌ رجلاً قد أجرتُه فلان بن هبيرة،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ
اخرجه البخاري.
الأعمال الفدائية وصورها.
……………………..
وأما من يعتدي بالقتل على من أعطي الأمان فلا يلومنَّ إلا نفسه وسيُقَدَّمُ إلى القضاء الشرعي لينال عقوبته الرادعة وربما تصل إلى الإعدام حسماً للفوضى وإغلاقاً لباب الفتن وتحقيقاً لإلتزام الجنود جميعاً بالانضباط وتنفيذ الأوامر.
……………..
فلايقتلون وأكبر دليلٍ في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من عدم قتله لوحشي قاتل عمه حمزة وكثيرٍ من المشركين الذين قتلوا من أصحابه كثيراً كخالد بن الوليد وعكرمة وغيرهم قبل إسلامهم.
…………….
وهذه الأحكام غالبها لاتنطبق على المسلم الواعي الفاهم إذا تظاهر مع النظام الكافرخداعا ليقتل مسلماً محصناً أو يرتكب حداً وهو غير مستحلٍ لما يفعل على حد زعمه بل الدافع له إما الحقد والكراهية على من قتله أو كان منه الحرص على السلامة والمال أوالمنصب ثم أعلن توبته قبل القبض عليه فتقام عليه الحدود التي ارتكبها غير مقبول الإعتذار ولا التوبة كأي إنسان إرتكب جريمة فلا بد من إقامة الحد عليه ومحاسبته على جرائمه.
………………
ويبقى هناك التساؤل كيف نقيم عليه الحد وهو قد دخل بأمان فالجواب: والله أعلم أن الكافر أو المرتد يدخل في الأمان وأما المسلم فأمانه إيمانه لايحتاج إلى الأمان أصلاً وإن كان عدم قتله الآن هوالآولى لاعتبارات عديدة مفهومة مما سبق.
وصدق الله العظيم القائل:
(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)
الأنفال.
والله نسأل الهداية والتوفيق للسداد والصواب وحسن الختام
والحمد لله رب العالمين.

نائب الأمين العام لهيئة العلماء والخطباء والدعاة الأحرار في سوريا

الشيخ عمر الفاروق البكري

3 شعبان  1437 للهجرة
الموافق لـ 11 أيار  2016 للميلاد