الواجبات الزوجية في البيت المسلم

57- الواجبات الزوجية في البيت المسلم :
**********************************

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله وبعد:

قال تعالى : (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِم فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ )) النساء34.

(الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ)

نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيٍّ وَفِي زَوْجِهَا ثابت ابن قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَمِيرَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَفِي زَوْجِهَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.

وَوَجْهُ النَّظْمِ أَنَّهُنَّ تَكَلَّمْنَ فِي تَفْضِيلِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ فِي الْإِرْثِ، فَنَزَلَتْ (وَلا تَتَمَنَّوْا) الْآيَةَ.
…………….
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ تَفْضِيلَهُمْ عَلَيْهِنَّ فِي الْإِرْثِ لِمَا عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الْمَهْرِ وَالْإِنْفَاقِ، ثُمَّ فَائِدَةُ تَفْضِيلِهِمْ عَائِدَةٌ إِلَيْهِنَّ.

وَيُقَالُ:إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ فَضِيلَةٌ فِي زِيَادَةِ الْعَقْلِ وَالتَّدْبِيرِ، فَجُعِلَ لَهُمْ حَقُّ الْقِيَامِ عَلَيْهِنَّ لِذَلِكَ.

وَقِيلَ: لِلرِّجَالِ زِيَادَةُ قُوَّةٍ فِي النَّفْسِ وَالطَّبْعِ مَا لَيْسَ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّ طَبْعَ الرِّجَالِ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحَرَارَةُ وَالْيُبُوسَةُ، فَيَكُونُ فِيهِ قُوَّةٌ وَشِدَّةٌ،
وَطَبْعَ النِّسَاءِغَلَبَ عَلَيْهِ الرُّطُوبَةُ وَالْبُرُودَةُ، فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى اللِّينِ وَالضَّعْفِ، فَجَعَلَ لَهُمْ حَقَّ الْقِيَامِ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ،
………………
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى:
(وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى تَأْدِيبِ الرِّجَالِ نِسَاءَهُمْ،
فَإِذَا حَفِظْنَ حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسئ الرَّجُلُ عِشْرَتَهَا.

وَ (قَوَّامٌ) فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ، مِنَ الْقِيَامِ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِبْدَادِ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَحِفْظِهِ بِالِاجْتِهَادِ.

فَقِيَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ هُوَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ،وَهُوَ أَنْ يَقُومَ بِتَدْبِيرِهَا وَتَأْدِيبِهَا وَإِمْسَاكِهَا فِي بَيْتِهَا وَمَنْعِهَا مِنَ الْبُرُوزِ،

وَأَنَّ عَلَيْهَا طَاعَتَهُ وَقَبُولَ أَمْرِهِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً وَتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِالْفَضِيلَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعَقْلِ وَالْقُوَّةِ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ وَالْمِيرَاثِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وقد فهم العلماء من قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ):
أَنَّهُ مَتَى عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهَا لَمْ يَكُنْ قَوَّامًا عَلَيْهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ قَوَّامًا عَلَيْهَا كَانَ لَهَا فَسْخُ الْعَقْدِ ، لِزَوَالِ الْمَقْصُودِ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ النِّكَاحُ.

وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى ثُبُوتِ فَسْخِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
لَا يُفْسَخُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ.
……………………

وقَوْلُهُ تَعَالَى :
(فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ)هَذَا كُلُّهُ خَبَرٌ،وَمَقْصُودُهُ الْأَمْرُ بِطَاعَةِ الزَّوْجِ وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ فِي مَالِهِ وَفِي نَفْسِهَا فِي حَالِ غَيْبَةِ الزَّوْجِ وحضوره.

وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :
(خَيْرُ النِّسَاءِ الَّتِي إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ وَإِذَاأَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ).

قَالَ:وَتَلَا رسول الله صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الْآيَةَ:
(الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
……………..
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ:
(أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُهُ الْمَرْءُ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ)
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
………………
و (بِما) فِي قَوْلِهِ: (بِما حَفِظَ اللَّهُ) مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ.
وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي وَيَكُونُ الْعَائِدُ فِي (حَفِظَ) ضَمِيرَ نَصْبٍ.
وَفِي قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ (بِمَا حَفِظَ اللَّهَ) بِالنَّصْبِ.
……………….
قَالَ النَّحَّاسُ: الرَّفْعُ أَبْيَنُ،أَيْ حَافِظَاتٌ لِمَغِيبِ أَزْوَاجِهِنَّ بِحِفْظِ اللَّهِ وَمَعُونَتِهِ وَتَسْدِيدِهِ.وَقِيلَ: بِمَا حَفِظَهُنَّ اللَّهُ فِي مُهُورِهِنَّ وَعِشْرَتِهِنَّ .
………………
وَقِيلَ: بِمَا اسْتَحْفَظَهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ.
وَمَعْنَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ، أَيْ بِحِفْظِهِنَّ أَمْرَهُ أَوْدِينَهُ.
ا.هـ تفسيرالقرطبي.
……………….
وكما قال تعالى أيضاً :(( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) البقرة228.

من حق الزوج على زوجته أن تطيعه في غير معصية، وأن تحفظه في نفسها وماله، وأن تمتنع عن مقارفة أي شئ يضيق به الرجل ، فلا تعبس في وجهه، ولا تبدو في صورة يكرهها، وهذا من أعظم الحقوق.

روى الحاكم عن عائشة قالت ” سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقا على المرأة؟
قال: زوجها.
قالت: فأي الناس أعظم حقا على الرجل؟
قال: أمه “.
……
ويؤكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحق فيقول:
” لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها “
رواه أبو داود.
…….
وقد وصف الله سبحانه الزوجات الصالحات فقال:
” فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله “
والقانتات هن الطائعات،
والحافظات للغيب:أي اللائي يحفظن غيبة أزواجهن،فلا يخنه في نفس أو مال.
…………

وهذا أسمى ما تكون عليه المرأة،وبه تدوم الحياة الزوجية وتسعد.
وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك “.
………..
ومحافظة الزوجة على هذا الخلق يعتبر جهادا في سبيل الله.
روى ابن عباس رضي الله عنهما : أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك: هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون.
ونحن معشر النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :
“أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافا بحقه يعدل ذلك.
وقليل منكن من يفعله “.
………..
ومن عظم هذا الحق أن قرن الاسلام طاعة الزوج بإقامة الفرائض الدينية وطاعة الله،
فعن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت ” رواه أحمد.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
” أيما امرأة ماتت، وزوجها عنها راض، دخلت الجنة “.
………..
وأكثر ما يدخل المرأة النار، عصيانها لزوجها، وكفرانها إحسانه إليها،
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء.يكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط “.رواه البخاري.
…………..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ، فبات غضبان، لعنتها الملائكة حتى تصبح “.
رواه أحمد والبخاري ومسلم.
………
وحق الطاعة هذا مقيد بالمعروف.فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلو أمرها بمعصية وجب عليها أن تخالفه.
ومن طاعتها لزوجها ألا تصوم نافلة إلا بإذنه، وألا تحج تطوعا إلا بإذنه،وألا تخرج من بيته إلا بإذنه.
روى أبو داود.
………
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
” حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها، ولو كانت على ظهر قتب وأن لا تصوم يوما واحدا إلا بإذنه، إلا لفريضة، فإن فعلت أثمت، ولم يتقبل منها، وألا تعطي من بيتها شيئا إلا بإذنه، فإن فعلت كان له الاجر، وعليها الوزر، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه، فإن فعلت لعنها الله وملائكة الغضب حتى تتوب أو ترجع، وإن كان ظالما “
………..
ومن حق الزوج على زوجته أن لا تدخل أحدا بيته يكرهه إلا بإذنه.
عن عمرو بن الاحوص الجشمي رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول:
بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ.
ثم قال: ” ألا،واستوصوابالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة.
فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا.
ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فحقكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهونه، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهونه، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن “
رواه ابن ماجه .
……………
وأساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.
وأصل ذلك قول الله تعالى:
” ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة “.
فالاية تعطي المرأة من الحقوق الشرعية مثل ما للرجل عليها، فكلما طولبت المرأة بشئ طولب الرجل بمثله .
والاساس الذي وضعه الاسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة بينهما، هو أساس فطري وطبيعي.
فالرجل أقدر على العمل والكدح والكسب خارج المنزل، والمرأة أقدر على تدبير المنزل، وتربية الاولاد، وتيسير أسباب الراحة البيتية، والطمأنينة المنزلية، فيكلف الرجل ما هو مناسب له من الأعمال وتكلف المرأة ما هو من طبيعتها، وبهذا ينتظم البيت المسلم من ناحية الداخل والخارج دون أن يجد أي واحد من الزوجين سببا من أسباب انقسام البيت على نفسه.
…………
وللمحافظة على الانسجام في البيت المسلم، وتقوية روابط الاسرة غاية من الغايات التي يستباح من أجل الحصول عليها تجاوز الصدق إذا لزم الأمر.
روي أن ابن أبي عذرة الدؤلي – أيام خلافة عمر رضي الله عنه كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الارقم حتى أتى به إلى منزله، ثم قال لامرأته: أنشدك بالله هل تبغضينني؟ قالت: لا تنشدني بالله.
قال: فإني أنشدك بالله. قالت: نعم. فقال لابن الارقم أتسمع؟ ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال:إنكم لتحدثون أني أظلم النساء، وأخلعهن،فاسأل ابن الارقم،فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها، فقال: أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه؟ فقالت: إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى، إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب.
أفأكذب يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك، فإن أقل البيوت الذي يبني على الحب. ولكن الناس يتعاشرون بالاسلام والاحساب.
………….
وقد روى البخاري ومسلم عن أم كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
” ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، أو يقول خيرا “.
قالت: ولم أسمعه يرخص في شئ مما يقول الناس إلا في ثلاث: يعني الحرب، والاصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، والمرأة زوجها، فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة (الضرورية لانسجام الحياة المنزلية ).
…………..
ومن حق الزوج أن يمسك زوجته بمنزل الزوجية، ويمنعها عن الخروج منه إلا بإذنه ويشترط في المسكن أن يكون لائقا بها، ومحققا لاستقرار المعيشة الزوجية، وهذا المسكن، يسمى بالمسكن الشرعي، فإذا لم يكن المسكن لائقا بها ولا يمكنها من استيفاء الحقوق الزوجية المقصودة من الزواج،فإنه لا يلزمها القرار فيه،لان المسكن غير شرعي.
ومثال ذلك ما إذا كان بالمسكن آخرون يمنعها وجودهم معها من المعاشرة الزوجية،أوكان يلحقها بذلك ضرر،أو تخشى على متاعها وكذلك لو كان المسكن خاليا من المرافق الضرورية، أو كان بحال تستوحش منه الزوجة، أو كان الجيران جيران سوء. ا.هـ فقه السنة.
………….
حقوق الزّواج وواجباته:
————————-
عرفنا أن الزواج كغيره من العقود ينشئ بين العاقدين الزوجين حقوقاً وواجبات متبادلة، عملاً بمبدأ التوازن والتكافؤ وتساوي أطراف التعاقد الذي يقوم عليه كل عقد.
وقد أشار القرآن الكريم لهذا المبدأ وثبوت هذه الحقوق والواجبات،
فقال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}البقرة228.
أي أن للنساء من الحقوق على الرجال مثل ما للرجال على النساء من واجبات، وأساس توزيع تلك الحقوق والواجبات هو العرف والفطرة، ومبدأ: كل حق يقابله واجب.
……….
وفي هذا الفصل مباحث ثلاثة:
الأول ـ حقوق الزوجة. الثاني ـ حقوق الزوج.الثالث ـ الحقوق المشتركة بين الزوجين.
……….
المبحث الأول ـ حقوق الزوجة :
—————————–
للزوجة حقوق مالية وهي المهر والنفقة، وحقوق غير مالية: وهي إحسان العشرة والمعاملة الطيبة، والعدل.
أما المهرعُلم أنه حق خاص للمرأة بالقرآن والسنة، لقوله تعالى:
{وآتوا النساء صدُقاتهن نحلة} النساء4
وثبت في السنة أنه صلى الله عليه وسلم لم يخل زواجاً من مهر.
وأما النفقة : فيخصص لها مبحث خاص بها، وهي أمر مقرر في القرآن والسنة أيضاً،
لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} البقرة233.
وعن معاوية القشيري
«أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل: ما حق المرأة على الزوج؟
قال: تُطعمها إذا طعِمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت» رواه أحمد.
أي لا تقل لامرأتك: قبحها الله ، والهجر يكون في المضجع، لا أن يتحول الرجل عن المرأة إلى دار أخرى، أو يحولها إليها.
…………..
والمراد من العشرة: ما يكون بين الزوجين من الألفة والاجتماع، ويلزم كل واحد من الزوجين معاشرة الآخر بالمعروف من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وألا يمطله حقه مع قدرته، ولا يظهر الكراهة فيما يبذله له، بل يعامله ببشر وطلاقة، ولا يتبع عمله مِنَّة ولا أذى ؛ لأن هذا من المعروف، لقوله تعالى{وعاشروهن بالمعروف}النساء19.
وقوله سبحانه {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} البقرة228 .
قال أبو زيد: «تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم»
وقال ابن عباس «إني لأحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي»
لأن الله تعالى يقول {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف البقرة228.
…………..
وثبت في السنة الأمر بمعاملة النساء خيراً، وورد فيها بيان حقوق وواجبات كل من الزوجين،
قال صلى الله عليه وسلم :
«استوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عندكم عوانٍ ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مُبَيِّنة، فإن فَعلْنَ فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرِّح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً»
………..
«إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً.
فأما حقكم على نسائكم ، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون.
ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» رواه ابن ماجه.
وقال أيضاً: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» رواه الترمذي .
«أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم» رواه أحمد.

ومن أهم حقوق الزوجة بإيجاز لما سبق بيانه في هذا الشأن :
——————————————————–

1 – إعفاف الزوجة أو الاستمتاع: قال المالكية: الجماع واجب على الرجل للمرأة إذا انتفى العذر.
وقال الشافعي: لايجب إلا مرة؛ لأنه حق له، فجاز له تركه كسكنى الدار المستأجرة، ولأن الداعي إلى الاستمتاع الشهوة والمحبة، فلا يمكن إيجابه، والمستحب ألا يعطلها، ليأمن الفساد. ا.هـ الفقه الإسلامي وأدلته.
……………

الْحَثُّ عَلَى الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ : وحَثَّ الشَّارِعُ عَلَى الْعِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْمَعْرُوفِ ،
قَال تَعَالَى{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ }
وَقَال تَعَالَى { وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }
قَال أَبُو زَيْدٍ : يَتَّقُونَ اللَّهَ فِيهِنَّ كَمَا عَلَيْهِنَّ أَنْ يَتَّقِينَ اللَّهَ فِيهِمْ،
وَقَال الضَّحَّاكُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ : إِذَا أَطَعْنَ اللَّهَ وَأَطَعْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَتَهَا ، وَيَكُفَّ عَنْهَا أَذَاهُ ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ سَعَتِهِ .
………………
وَقَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ .
……………..

مَعْنَى الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ : مَعْنَى الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الأْزْوَاجَ فِي قَوْله تَعَالَى:
{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } هُوَ : أَدَاءُ الْحُقُوقِ كَامِلَةً لِلْمَرْأَةِ مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي الْمُصَاحَبَةِ .
………….
وَقَال الْجَصَّاصُ : وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ ، وَتَرْكِ أَذَاهَا بِالْكَلاَمِ الْغَلِيظِ ، وَالإْعْرَاضِ عَنْهَا ، وَالْمَيْل إِلَى غَيْرِهَا ، وَتَرْكِ الْعَبُوسِ وَالْقُطُوبِ فِي وَجْهِهَا بِغَيْرِ ذَنْبٍ .
قَال ابْنُ قُدَامَةَ : قَال بَعْضُ أَهْل الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { وَلَهُنَّ مِثْل الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } : التَّمَاثُل هَاهُنَا فِي تَأْدِيَةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ لِصَاحِبِهِ ، وَلاَ يَمْطُلُهُ بِهِ ، وَلاَ يُظْهِرُ الْكَرَاهَةَ ، بَل بِبِشْرٍ وَطَلاَقَةٍ ، وَلاَ يُتْبِعُهُ أَذًى وَلاَ مِنَّةً ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَهَذَا مِنَ الْمَعْرُوفِ ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحْسِينُ الْخُلُقِ مَعَ صَاحِبِهِ وَالرِّفْقُ بِهِ وَاحْتِمَال أَذَاهُ .
…………….
تَحَقُّقُ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ أَدَاءُالْحُقُوقِ كَامِلَةً مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي الْمُصَاحَبَةِ .
الطَّاعَةُ : يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ طَاعَةُ زَوْجِهَا ، فَعَنْ أَنَسٍ : أَنَّ رَجُلاً انْطَلَقَ غَازِيًا وَأَوْصَى امْرَأَتَهُ أَنْ لاَ تَنْزِل مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ ، وَكَانَ وَالِدُهَا فِي أَسْفَل الْبَيْتِ ، فَاشْتَكَى أَبُوهَا ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تُخْبِرُهُ وَتَسْتَأْمِرُهُ فَأَرْسَل إِلَيْهَا : اتَّقِي اللَّهَ وَأَطِيعِي زَوْجَكِ ، ثُمَّ إِنَّ وَالِدَهَا تُوُفِّيَ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تَسْتَأْمِرُهُ ، فَأَرْسَل إِلَيْهَا مِثْل ذَلِكَ ، وَخَرَجَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَرْسَل إِلَيْهَا : إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكِ بِطَوَاعِيَتِكِ لِزَوْجِكِ .
……………
وَقَال أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ ، طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبُ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا
وَقَدْ رَتَّبَ الشَّارِعُ الثَّوَابَ الْجَزِيل عَلَى طَاعَةِ الزَّوْجِ ، كَمَا رَتَّبَ الإْثْمَ الْعَظِيمَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الزَّوْجِ ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
قَال : إِذَا دَعَا الرَّجُل امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ . أخرجه مسلم.
……………
ثُمَّ إِ نَّ وُجُوبَ طَاعَةِ الزَّوْجِ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لاَ يَكُونَ فِي مَعْصِيَةٍ ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُطِيعَهُ فِيمَا لاَ يَحِل مِثْل أَنْ يَطْلُبَ مِنْهَا الْوَطْءَ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ أَوْ فِي غَيْرِ مَحَل الْحَرْثِ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي ، فَإِنَّهُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
…………………
الاِسْتِمْتَاعُ بِالزَّوْجَةِ : مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا،إِذْ عَقْدُ النِّكَاحِ مَوْضُوعٌ لِذَلِكَ .
وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَنْظُرَ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ زَوْجَتِهِ حَتَّى إِلَى فَرْجِهَا .
قَال الْكَاسَانِيُّ : مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ حِل النَّظَرِ وَالْمَسِّ مِنْ رَأْسِهَا إِلَى قَدَمَيْهَا حَالَةَ الْحَيَاةِ ؛ لأِنَّ الْوَطْءَ فَوْقَ النَّظَرِ وَالْمَسِّ ، فَكَانَ إِحْلاَلُهُ إِحْلاَلاً لِلْمَسِّ وَالنَّظَرِ مِنْ طَرِيقِ الأْوْلَى .
………..
قَال ابْنُ عَابِدِينَ : سَأَل أَبُو يُوسُفَ أَبَا حَنِيفَةَ عَنِ الرَّجُل يَمَسُّ فَرْجَ امْرَأَتِهِ وَهِيَ تَمَسُّ فَرْجَهُ لِيَتَحَرَّكَ عَلَيْهَا
هَل تَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ؟
قَال : لاَ ، وَأَرْجُو أَنْ يَعْظُمَ الأْجْرُ كَمَا ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ الاِسْتِمْتَاعَ بِزَوْجَتِهِ كُل وَقْتٍ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ إِذَا كَانَ الاِسْتِمْتَاعُ فِي الْقُبُل ، وَلَوْ كَانَ الاِسْتِمْتَاعُ فِي الْقُبُل مِنْ جِهَةِ عَجِيزَتِهَا .
لِقَوْلِهِ تَعَالَى

{نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ }
ولَمَّا كَانَ مِنْ مَقَاصِدِعَقْدِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ هُوَاسْتِمْتَاعُ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ،كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ كُل مَا يَمْنَعُ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ أَوْ كَمَالِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ فَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ إِجْبَارَ زَوْجَتِهِ عَلَى الْغُسْل مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛لأِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ الاِسْتِمْتَاعَ الَّذِي هُوَ حَقٌّ لَهُ ، فَمَلَكَ إِجْبَارَهَا عَلَى إِزَالَةِ مَا يَمْنَعُ حَقَّهُ .
وَصَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ مِنْ كُل مَا يَمْنَعُ مِنْ كَمَال الاِسْتِمْتَاعِ ،
قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ : وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَكْل مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ ، وَمِنَ الْغَزْل .
……………..
وَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّزَيُّنِ بِمَا يَتَأَذَّى بِرِيحِهِ ، كَأَنْ يَتَأَذَّى بِرَائِحَةِ الْحِنَّاءِ الْمُخْضَرِّ وَنَحْوِهِ ، وَلَهُ ضَرْبُهَا بِتَرْكِ الزِّينَةِ إِذَا كَانَ يُرِيدُهَا .
وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ : وَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى التَّطْيِيبِ وَالاِسْتِحْدَادِ .
………….
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُجْبِرَ زَوْجَتَهُ عَلَى غَسْل مَا تَنَجَّسَ مِنْ أَعْضَائِهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الاِسْتِمْتَاعِ بِهَا ، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ لُبْسِ مَا كَانَ نَجِسًا ، وَلُبْسِ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ، وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى التَّنْظِيفِ بِالاِسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الأْظَافِرِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ الإْبِطِ وَالأْوْسَاخِ سَوَاءٌ تَفَاحَشَ أَوْ لَمْ يَتَفَاحَشْ ، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ أَكْل مَا يَتَأَذَّى مِنْ رَائِحَتِهِ كَبَصَلٍ وَثُومٍ وَمِنْ أَكْل مَا يَخَافُ مِنْهُ حُدُوثَ مَرَضٍ .
ومِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلاَّ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ لأِحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
قَال : لاَ يَحِل لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، وَلاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ . أخرجه البخاري ومسلم.
………….
وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ عَنِ النَّوَوِيِّ قَوْلَهُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُفْتَاتُ عَلَى الزَّوْجِ بِالإْذْنِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ،وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لاَ تَعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِهِ،أَمَّا لَوْ عَلِمَتْ رِضَا الزَّوْجِ بِذَلِكَ فَلاَ حَرَجَ عَلَيْهَا،كَمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِإِدْخَال الضِّيفَانِ مَوْضِعًا مُعَدًّا لَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًاأَمْ غَائِبًا فَلاَ يَفْتَقِرُ إِدْخَالُهُمْ إِلَى إِذْنٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ (مادام هناك محرم والفتنة مأمونة)
………………..
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ اعْتِبَارِ إِذْنِهِ تَفْصِيلاً أَوْ إِجْمَالاً ومِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَلاَّ تَخْرُجَ مِنَ الْبَيْتِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّهِ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ ؟
فَقَال : حَقُّهُ عَلَيْهَا أَلاَّ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ ، فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا مَلاَئِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ حَتَّى تَرْجِعَ
………….
(وحيث أن المرأة في الإسلام ملكة بيتها فلا يجوزمغادرة المملكة إلا لحاجة أو ضرورة حيث أن المتطلبات المنزلية كثيرةٌ وكثيرةٌ جداً خاصةً إذا كان هناك أطفال،فليس هناك فراغ أبداً لأن الواجبات البيتيه أكثر من الأوقات)
واخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ خِدْمَةِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا .
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا ، وَالأْوْلَى لَهَا فِعْل مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ .
…………..
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا دِيَانَةً لاَ قَضَاءً وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا فِي الأْعْمَال الْبَاطِنَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجَةِ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ فَلاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْخِدْمَةُ ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا فَقِيرَ الْحَال .
…………………
ومِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ السَّفَرُ وَالاِنْتِقَال بِهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ؛لأِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِلسَّفَرِ بِالزَّوْجَةِ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا.
ومِنْ حُقُوقِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْمَهْرُ ،
لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً }
قَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ:وَالنِّحْلَةُ هَاهُنَا الْفَرِيضَةُ،وَهُوَ مِثْل مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَقِبَ ذِكْرِ الْمَوَارِيثِ { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ } .
كَمَا أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَهْرِ زَوْجَتِهِ شَيْئًا إِلاَّ بِرِضَاهَا وَطِيبِ نَفْسِهَا .
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا }
……………
وَالأْصْل أَنْ يَكُونَ عَمَل الْمَرْأَةِ هُوَ رِعَايَةَ بَيْتِهَا وَزَوْجِهَا وَأَوْلاَدِهَا ، لِذَلِكَ كَانَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً .
وَكَانَ الرَّجُل قَوَّامًا عَلَيْهَا ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى : { الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } .
……………..

– حَقُّ الْعَمَل : والأْصْل أَنَّ وَظِيفَةَ الْمَرْأَةِ الأْولَى هِيَ إِدَارَةُ بَيْتِهَا وَرِعَايَةُ أُسْرَتِهَا وَتَرْبِيَةُ أَبْنَائِهَا وَحُسْنُ تَبَعُّلِهَا ، يَقُول النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :
الْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا .
وَهِيَ غَيْرُ مُطَالَبَةٍ بِالإْنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهَا ، فَنَفَقَتُهَا وَاجِبَةٌ عَلَى أَبِيهَا أَوْ زَوْجِهَا ؛ لِذَلِكَ كَانَ مَجَال عَمَلِهَا هُوَ الْبَيْتُ ، وَعَمَلُهَا فِي الْبَيْتِ يُسَاوِي عَمَل الْمُجَاهِدِينَ .
وَمَعَ ذَلِكَ فَالإْسْلاَمُ لاَ يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْعَمَل إن كانت هناك ضرورة أو حاجة ، فَلَهَا أَنْ تَبِيعَ وَتَشْتَرِيَ ، وَأَنْ تُوَكِّل غَيْرَهَا ، وَيُوَكِّلَهَا غَيْرُهَا ، وَأَنْ تُتَاجِرَ بِمَالِهَا وَلَيْسَ لأِحَدٍ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ مَا دَامَتْ مُرَاعِيَةً أَحْكَامَ الشَّرْعِ وَآدَابَهُ ،
…………….
وَالنُّصُوصُ الدَّالَّةُ عَلَى جَوَازِعَمَل الْمَرْأَةِ كَثِيرَةٌ،وَالَّذِي يُمْكِنُ اسْتِخْلاَصُهُ مِنْهَا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْحَقَّ فِي الْعَمَل بِشَرْطِ إِذْنِ الزَّوْجِ لِلْخُرُوجِ ،

إِنِ اسْتَدْعَى عَمَلُهَا الْخُرُوجَ وَكَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ ،

وَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الإْذْنِ إِذَا امْتَنَعَ عَنِ الإْنْفَاقِ عَلَيْهَا .
………….
هَذَا ، وَإِذَا كَانَ لَهَا مَالٌ فَلَهَا أَنْ تُتَاجِرَ بِهِ مَعَ غَيْرِهَا ، كَأَنْ تُشَارِكَهُ أَوْ تَدْفَعَهُ مُضَارَبَةً دُونَ إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ .
جَاءَ فِي جَوَاهِرِ الإْكْلِيل : قِرَاضُ الزَّوْجَةِ أَيْ دَفْعُهَا مَالاً لِمَنْ يَتَّجِرُ فِيهِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ ،فَلاَ يَحْجُرُ عَلَيْهَا فِيهِ اتِّفَاقًا ؛ لأِنَّهُ مِنَ التِّجَارَةِ – ثُمَّ إِنَّهَا لَوْ عَمِلَتْ مَعَ الزَّوْجِ كَانَ كَسْبُهَا لَهَا .
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ : أَفْتَى الْقَاضِي الإْمَامُ فِي زَوْجَيْنِ سَعَيَا وَحَصَّلاَ أَمْوَالاً أَنَّهَا لَهُ ؛ لأِنَّهَا مُعِينَةٌ لَهُ ، إِلاَّ إِذَا كَانَ لَهَا كَسْبٌ عَلَى حِدَةٍ فَلَهَا ذَلِكَ .
……………
وَفِي الْفَتَاوَى : امْرَأَةٌ مُعَلَّمَةٌ ، يُعِينُهَا الزَّوْجُ أَحْيَانًا فَالْحَاصِل لَهَا ، وَفِي الْتِقَاطِ السُّنْبُلَةِ إِذَا الْتَقَطَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا .
كَمَا أَنَّ لِلأْبِ أَنْ يُوَجِّهَ ابْنَتَهُ لِلْعَمَل : جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ : لِلأْبِ أَنْ يَدْفَعَ ابْنَتَهُ لاِمْرَأَةٍ تُعَلِّمُهَا حِرْفَةً كَتَطْرِيزٍ وَخِيَاطَةٍ وَإِذَا عَمِلَتِ الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي حُدُودٍ لاَ تَتَنَافَى مَعَ مَا يَجِبُ مِنْ صِيَانَةِ الْعِرْضِ وَالْعَفَافِ وَالشَّرَفِ .
وَيُمْكِنُ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي :أَلاَّ يَكُونَ الْعَمَل مَعْصِيَةً كَالْغِنَاءِ وَاللَّهْوِ ، وَأَلاَّ يَكُونَ مَعِيبًا مُزْرِيًا تُعَيَّرُ بِهِ أُسْرَتُهَا .
………………..
جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ : إِذَا آجَرَتِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِمَا يُعَابُ بِهِ كَانَ لأِهْلِهَا أَنْ يُخْرِجُوهَا مِنْ تِلْكَ الإْجَارَةِ ، وَفِي الْمَثَل السَّائِرِ : تَجُوعُ الْحُرَّةُ وَلاَ تَأْكُل بِثَدْيَيْهَا ،
أَلاَّ يَكُونَ عَمَلُهَا مِمَّا يَكُونُ فِيهِ خَلْوَةٌ.
ا.هـ الموسوعة الفقهية الكويتية.
……………………
فصل: فى حُكم النبىِّ صلى الله عليه وسلم فى خِدْمَةِ المرأةِ لزوجها :
قال ابنُ حبيب فى “الواضحة”: حكم النبىُّ صلى الله عليه وسلم بين على بن أبى طالب رضي الله عنه ، وبين زوجته فاطمة رضى الله عنها حين اشتكيا إليه الخِدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على عليٍّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابنُ حبيب: والخدمة الباطنة: العجينُ، والطبخُ، والفرشُ، وكنسُ البيت، واستقاءُ الماء، وعمل البيت كلِّه.
……………
فى “الصحيحين”: أن فاطمة رضى الله عنها أتتِ النبىَّ صلى الله عليه وسلم تشكُو إليه ما تَلْقى فى يَدَيْهَا مِن الرَّحى، وتسألُه خادماً فلم تَجِدْه، فذكرت ذلك لِعائشة رضى الله عنها، فلما جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أخبرتْه.
قال على: فجاءنا وقد أخذنا مَضَاجِعَنَا، فذهبنا نقومُ، فقال: “مَكَانكُمَا”، فجاء فقعَدَ بينَنَا حتى وجدت بَرْدَ قَدَمَيْهِ على بطْنى، فقال: ” أَلاَ أدُلُّكُمَا عَلى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلْتُمَا، إذا أَخَذْتُما مَضَاجِعَكُما فَسَبِّحا الله ثَلاثَاً وثَلاثِينَ، واحْمَدا ثلاثاً وثلاثينَ، وكَبِّرا أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادِم.
قال عَلُّى: فما تركتُها بَعْدُ، قِيلَ: ولا ليلةَ صفين؟ قال: ولا ليلة صِفِّين”.
……………….
وصحَّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدِمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ البَيْتِ كُلِّه، وكان لَه فَرَسٌ وكُنْتُ أَسُوسُه، وكُنْتُ أَحْتشُّ لَهُ، وأَقُومُ عَلَيْهِ.
وصحَّ عنها أنها كانت تَعْلِفُ فرسَه، وتَسْقِى الماءَ، وتَخْرِزُ الدَّلْوَ وتَعْجِنُ، وتَنْقُلُ النَّوى عَلَى رَأْسِهَا مِنْ أَرضٍ لَهُ عَلَى ثُلُثَى فَرْسَخ.
فاختلف الفقهاءُ فى ذلك، فأوجب طائفةٌ مِن السَّلفِ والخَلَفِ خِدمَتها له فى مصالح البيت، وقال أبو ثور: عليها أن تَخْدِمَ زوجها فى كل شىء،ومنعت طائفةً وجوبَ خدمته عليها فى شىء، وممن ذهب إلى ذلك مالك، والشافعى، وأبو حنيفة، وأهلُ الظاهر، قالوا: لأن عقدَ النكاح إنما اقتضى الاستمتاع،لا الاستخدام وبذل المنافع،
…………….
قالوا:والأحاديث المذكورة إنما تدلُّ على التطوُّع ومكارِمِ الأخلاق، فأين الوجوبُ منها؟
واحتج من أوجب الخدمة، بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأما ترفيهُ المرأةِ، وخدمةُ الزوج، وكنسُه، وطحنُه، وعجنُه، وغسيلُه، وفرشُه، وقيامُه بخدمة البيت، فَمِنَ المنكر، واللَّه تعالى يقول
{ ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَليْهنَّ بِالمَعْرُوفِ} البقرة 228 .
وقال {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلى النِّسَاءِ}النساء 34.
وإذا لم تخدِمْه المرأةُ، بل يكون هو الخادِمَ لها، فهى القَوَّامَةُ عليه.
……………
وأيضاً:فإن المهر فى مقابلة البُضع،وكُلٌّ مِن الزوجين يقضى وطرَه مِن صاحبه فإنما أوجبَ الله سبحانه نفقتَها وكُسوتها ومسكنَها فى مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادةُ الأزواج وأيضاً فإن العقود المطلقة إنما تُنَزَّلُ على العرف، والعُرفُ خدمةُ المرأة، وقيامُها بمصالح البيت الداخلية،
وقولُهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعاً وإحساناً يردُّه أن فاطمة كانت تشتكى ما تلقى مِن الخِدمة،
فلم يَقُلْ لعلى: لا خِدمة عليها، وإنما هى عليك، وهو صلى الله عليه وسلم لا يُحابى فى الحكم أحداً،
ولما رأى أسماء والعلفُ على رأسها، والزبيرُ معه في غالب أيامه لم يقل له: لا خِدمةَ عليها،وأن هذا ظلمٌ لها،بل أقرَّه على استخدامها،وأقرَّ سائِرَ أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارِهَة والراضية، هذا أمر لا ريب فيه.
ولا يَصِحُّ التفريقُ بين شريفة ودنيئة، وفقيرةٍ وغنية، فهذه أشرفُ نساء العالمين كانت تَخْدِمُ زوجها،
وجاءته صلى الله عليه وسلم تشكُو إليه الخدمة، فلم يُشْكِهَا، وقد سمَّى النبىُّ صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح المرأة عانيَةُ، فقال: “اتَّقُوا اللَّهَ فى النّساءِ، فإِنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُم”.
والعانى: الأسير، ومرتبة الأسير خدمةُ من هو تحت يده، ولا ريبَ أن النكاح نوعٌ من الرِّق،كما قال بعضُ السلف:
النكاح رِق، فلينظر أحدُكم عند من يُرِقُّ كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين.
. ا.هـ زاد المعاد.
………………
وجوب خدمة المرأة لزوجها :
————————–
قلت: وبعض الأحاديث المذكورة آنفاً ظاهرة الدلالة على وجوب طاعة الزوجة لزوجها وخدمتها إياه في حدود استطاعتها، ومما لا شك فيه أن من أول ما يدخل في ذلك الخدمة في منزله، وما يتعلق به من تربية أولاده ونحو ذلك ، وقد اختلف العلماء في هذا،
فقال شيخ الإسلام ابن تيمية

في ((الفتاوى )) ( 2/234- 235 ):
(وتنازع العلماء، هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام والشراب، والخبز والطحن والطعام لمماليكه وضيوفه، وبهائمه، مثل علف دابته ونحو ذلك ؟
فمنهم من قال:لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف، كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء!
فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف، بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن؛ إن لم يعاونه على مصلحته؛ لم يكن قد عاشره بالمعروف.
وقيل- وهو الصواب- : وجوب الخدمة، فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ،وعلى العاني والعبد الخدمة، ولأن ذلك هو المعروف.
ثم مِنْ هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة،ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف.وهذا هو الصواب،.
…………
فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها قلت: وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى؛
أنه يجب على المرأة خدمة البيت، وهو قول مالك وأصبغ
كما في (الفتح ) ( 9/418 )، وأبي بكر بن أبي شيبة،
وكذا الجوزجاني من الحنابلة كما في (الاختيارات ) ( ص145 )،
وطائفة من السلف والخلف، كما في (الزاد ) ( 4/46 )،
ولم نجد لمن قال بعدم الوجوب دليلاً صالحاً.
…………..
وقول بعضهم: ((إن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام، مردود بأن الاستمتاع حاصل للمرأة أيضاً بزوجها، فهما متساويان في هذه الناحية،ومن المعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أوجب على الزوج شيئاً آخر لزوجته،ألا وهو نفقتها وكسوتها ومسكنها،فالعدل يقتضي أن يجب عليها مقابل ذلك شيء آخر أيضاً لزوجها، وما هو إلا خدمتها إياه،ولا سيما أنه القوّام عليها بنص القرآن الكريم كما سبق،
وإذا لم تقم هي بالخدمة فسيضطر هو إلى خدمتها في بيتها،
وهذا يجعلها هي القوامة عليه، وهو عكس للآية القرآنية كما لا يخفى،
فثبت أنه لا بد لها من خدمته، وهذا هو المراد.
وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الامر وحديثه بما ذكرنا.
ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا يتكلفون الطحين والخبز والطبيخ وفرش الفراش، وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت عن ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك، ويأخذنهن بالخدمة.
…………….
ومِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ تَأْدِيبُهَا عِنْدَ النُّشُوزِ وَالْخُرُوجِ عَلَى طَاعَتِهِ بعدم قيامها بواجباتها المنزلية ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } سورة النساء / 34.
فلولا أنها من الواجبات المستحقة عليهن لما طالبوهن.
هذا هو المذهب الصحيح خلافا لما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي من عدم وجوب خدمة المرأة لزوجها ،
……………………
وقالوا إن عقد الزواج إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع.
وأيضاً؛فإن قيام الرجل بالخدمة يؤدي إلى أمرين متباينين تمام التباين؛أن ينشغل الرجل بالخدمة عن السعي وراء الرزق وغير ذلك من المصالح، وتبقى المرأة في بيتها عطلاً عن أي عمل عليها القيام به، ولا يخفى فساد هذا في الشريعة التي سوت بين الزوجين في الحقوق، بل وفضلت الرجل عليها درجة،
ولهذا لم يُزِلِ الرسول صلى الله عليه وسلم شكوى ابنته فاطمة رضي الله عنها حينما:
(أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق، فلم تصادفه، فذكرت لعائشة، فلما جاء، أخبرته عائشة، قال علي رضي الله عنه فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال:على مكانكما فجاء، فقعد بيني وبينها حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتما؟
إذا أخذتما مضاجعكما، أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم
[قال علي: فما تركتها بعد، قيل: ولا ليلة صفين؟

قال: ولا ليلة صفين!] ).
رواه البخاري.
…………….
فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحداً كما قال ابن القيم يرحمه الله، ا.هـ آداب الزفاف .
……………
ثوابِ خدْمة المرأةِ في بيتها:
————————-
عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: أتين النساء النبي صلى الله عليه وسلم وقلن: يا رسول الله ، ذهب الرجال بالفضل من الجهاد في سبيل الله،وما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله، قال:مهنة إحداكن في بيتها تدرك بها عمل المجاهدين في سبيل الله.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهماا قالت:
«تزوجني الزبير،وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه، قالت : فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤونته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه ، وأعلفه ، وأستقي الماء وأخرز قربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، فكانت تخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى في أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ.

قالت: فجئت يوماً، والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: أنخ، ليحملني خلفه قالت: فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته ، قالت: وكان أغيَر الناس ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى.
فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب معه، فاستحييت، وعرفت غيرتك.
فقال: والله لحملك النوى كان أشد عليّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني».، ا.هـ أحكام النساء لابن الجوزي.
……………..
خدمة المرأة لزوجها في بيته:
السؤال:
——–
زوجتي ترفض خدمتي في البيت من إصلاح الطعام وغسل الثياب، وتقول: إن هذا ليس بواجب.
وتطالبني بالدليل على الوجوب، كما تطالبني بإحضار خادمة،
وتقول: إن هذا واجب ومن الحقوق التي لها كما ذكر في الروض.
فما الحكم الشرعي في هذا؟

الجواب:
——-
لك أن تقنعها، وتبين لها أن من حق الزوج على زوجته أن تخدمه الخدمة المعتادة، فإن هذا هو الذي عليه العمل، ودليل ذلك فعل أمهات المؤمنين؛ إذ لم يكن عندهن خادمات، بل كن يعملن، كل واحدة تعمل في بيتها، ودليل ذلك أيضاً فعل فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي بعض الروايات أنها طحنت حتى مجلت يداها، وأنها خبزت وتعبت، ولما جاء خدم وسبي طلبت منه صلى الله عليه وسلم أن يعطيها خادمة تكفيها، فامتنع وقال: ( أعطيك وأدع أهل الصفة؟! )،
ولم يعطها خادمة.
……………
ومن ذلك أيضاً قصة أسماء أخت عائشة زوجة الزبير ، فقد كانت تخدم زوجها، وكان عنده فرس في بستان له مسيرة ميلين – أي: ساعة ونصف-، وتطحن له علفاً، تحمل ذلك العلف – وهو النوى- على رأسها، وتسير مسيرة ساعة ونصف ذهاباً وساعة ونصف إياباً حتى توصله إليه، وزيادة على كونها قد جمعته تكسره ثم تطبخه علفا للفرس، زيادة على ما تعمله في البيت، فأين هذا من هؤلاء؟!
فما يوجد الآن إلا إصلاح الطعام أو تغسيل الثياب أو إخراج قمامة الدار، أما الطحن فليس مما يفعلنه، وكذلك تكسير النوى وإعلافه للدواب هذا لا يوجد في هذه الأزمنة، فلا تستنكف المرأة أن تخدم زوجها بهذه الخدمة اليسيرة. ا.هـ اعتقاد اهل السنة.
…………………
وختاماً أوصي نفسي وأخواني بوصية الله لنا :
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) النساء1.
—————-

وإليكم هذه الأبيات موعظة وذكرى لأولى الألباب:
………………………………………………..

من لي بتربية النساء فإنها … في الشرق علة ذلك الإخفاق
الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعبًا طيب الأعراق
الأم روض إن تعهّده الحيا … بالري أورق أيما إيراق
الأم أستاذ الأساتذة الأولى … شغلت مآثرهم مدى الآفاق
أنا لا أقول دعوا النساء سوافرًا .بين الرجال يجلن في الأسواق
يدرجن حيث أردن لا من وازع … يحذرن رقبته ولا من واق
يفعلن أفعال الرجال لواهيًا … عن واجبات نواعس الأحداق
في دورهن شؤونهن كثيرة … كشؤون رب السيف والمزراق
كلا ولا أدعوكم أن تسرفوا … في الحجب والتضييق والإرهاق
فتوسطوا في الحالتين وأنصفوا … فالشر في التقييد والإطلاق
ربوا البنات على الفضيلة إنها … في الموقفين لهن خير وثاق
و عليكم أن تستبين بناتكم … نور الهدى و على الحياء الباقي
…………….
وقال آخر:
………..

ليس اليتيم من انتهى أبواه وخلفاه في هم الحياة ذليلاً
إن اليتيم هو الذى ترى له أما تخلت وأبا مشغولاً
…………………
والله نرجوا التوفيق للسداد في القول والعمل وحسن الختام.
والحمد لله رب العالمين .

نائب الأمين العام لهيئة العلماء والخطباء والدعاة الأحرار في سوريا

الشيخ عمر الفاروق البكري

2 شعبان  1437 للهجرة
الموافق لـ 10 أيار  2016 للميلاد