هل الهدنة مع النظام السوري المجرم حرام ام مباحه ؟

 
 
تفصيل السؤال:
**********
– ما قول أهل العلم الشرعي فيما حصل من الاتفاق بين المجاهدين والنظام الكافر القاتل حيث يرابط المجاهدون حول حقل بترول..يسيطر عليه الكفرة .
وهو في قبضتهم مسيطرون عليه والمجاهدون محيطون بهم من خلفهم وفي هذا الحقل مخزون من الغاز المنزلي المحجوز لديهم بلا فائدةٍ لهم ولا لغيرهم ونحن المسلمون بأمس الحاجة إليه ،فاتفق المجاهدون مع النظام الكافر على أن يسمحوا للنظام بأخذ نسبةٍ منه يومياً أقل من نسبة ما يأخذه المجاهدون وأن يأخذ المسلمون الباقي حسب الاتفاق؟
…………………….
الجواب وبالله التوفيق:
***************
 المفاوضات بين المجاهدين وأعدائهم وأحكامها :
****************************************
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله وبعد:
قال تعالى:
{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }…الأنفال.
……………………..
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:
بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حَنِيفة يقال له:
” ثمامة بن أثال ” فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: ما عندك يا ثمامة؟
فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، حتى كان الغد، ثم قال له ما عندك يا ثمامة؟
قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: (أطلقوا ثمامة).
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى، فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل:
صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن بها النبي صلى الله عليه وسلم .
البخاري رقم 4372، فتح الباري (8/87) ومسلم (3/1386)].
….
زاد ابن هشام: ” أنه انصرف إلى بلاده، ومنع الحمل إلى مكة، حتى جهدت قريش، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلى إليهم حمل الطعام،
ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
ا.هـ كتاب أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي.
…………..
وكان “ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة الحنفي”، من قدماء من أسلم من أهل اليمامة. فقد أرسل رسول الله خيلًا قبل نجد، فجاءت به، فربطوه بسارية من سواري المسجد بيثرب، فكلمه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر فأطلق من رباطه، فدخل في الإسلام، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت! قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا.
فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم :
إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم .
فنزل قوله تعالى :{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الآيات.
ا.هـ المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام.
…………………………….
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ لَمَّا أَسَرَتْهُ السَّرِيَّةُ وَأَسْلَمَ وَخَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبِيلَهُ، حَالَ بَيْنَ مَكَّةَ وَبَيْنَ الْمِيرَةِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . وَأَخَذَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِالْقَحْطِ وَالْجُوعِ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْكِلَابَ وَالْعِلْهِزَ، قِيلَ: وَمَا الْعِلْهِزُ؟ قَالَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ الصُّوفَ وَالْوَبَرَ فَيَبُلُّونَهُ بِالدَّمِ ثُمَّ يَشْوُونَهُ وَيَأْكُلُونَهُ. فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ! أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؟ قَالَ (بَلَى). قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَرَاكَ إِلَّا قَتَلْتَ الْآبَاءَ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلْتَ الْأَبْنَاءَ بِالْجُوعِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ:” وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ”.
ا.هـ تفسير القرطبي.
……………………..
ومرت الأيام، وأحاط الجوع بقريش، واحتاجت إلى القمح، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يأمر ثمامة بإرسال القمح إلى قريش، ورغم أن قريشًا حاصرت الرسول وقومه في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات، وأذاقوهم عذاب الجوع، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قابل الإساءة بالإحسان ورفض تعريض قريش للجوع،وأمر ثمامة أن يبيع لهم القمح.
 
……………………
حصار قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم :
جاء في الزاد: فلما رأت قريشٌ أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو، والأمور تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بنى هاشم، وبني عبد المطلب، وبني عبد مناف، أن لا يُبايعوهم، ولا يُناكِحوهم، ولا يُكلِّموهم، ولا يُجالِسُوهُم، حتى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلَّقوها في سقفِ الكعبةِ…
فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنُهم وكافرهم، إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنى هاشم،وبنى المطلب،وحُبِسَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه في الشِّعب…
وبقُوا محبوسين ومحصورين، مضيَّقاً عليهم جداً، مقطوعاً عنهم المِيرةُ والمادةُ، نحوَ ثلاثِ سنين، حتى بلغهم الجَهْدُ، وسُمِعَ أصواتُ صِبيانِهم بالبُكاء مِن وراء الشِّعب.
وهذا يدل على أن استطاعة الأمة وقوتها أمر معتبر في وجوب القتال، فإذا لم يكن بالأمة قوة سقط وجوبه .
………..
قول الله تعالى:
{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) }
……………………
وجه الاستدلال: أن الله أباح للأمة عقد الصلح مع الكفار عند دعاء الحاجة أو المصلحة.
ويناقش الاستدلال بهذه الآية بأنها منسوخة . إما بآية السيف:
{ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } ،
أو بقوله تعالى:
{ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) }
ويجاب بأن الراجح أن الآية محكمة كما قرره الطبري وابن العربي ، وابن كثير .
………………….
وعلى هذا، تحمل الآية على حال الحاجة أو المصلحة كضعف قوتنا، أو إعادة تنظيم جيوشنا، أو رجاء إسلامهم، ونحو ذلك من المصالح .
وتحمل آية السيف على حال القدرة على الجهاد وكون المصلحة في القيام به .
والجمع بين معنى الآيتين أولى من القول بالنسخ .
ولا فرق على الأرجح بين أهل الكتاب وغيرهم من المشركين في هذا الحكم
كما قرره ابن كثير وابن العربي،
خلافاً للطبري .
………………..
قال ابن كثير:” فأما إن كان العدو كثيفاً فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية الحديبية فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص”.
 
وقال ابن العربي: ” وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به، أو ضر يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه “.
………………….
ويؤيد هذا الترجيح الهدي النبوي .
فقد جاء في السيرة: أنه صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة في الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، كما في قصة الحديبية المشهورة. ومن ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بمصالحة الحارث الغطفاني وعيينة بن حصن ويعطيهما من ثمار المدينة، واستشار في ذلك الأنصار، لما رأى قريشا والأحزاب قد رمت أهل المدينة عن قوس واحدة .
ا.هـ الأعمال الفدائية صورها وأحكامها.
………………..
وتجوز مهادنتهم على غير مال لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادنهم يوم الحديبية على غير مال ويجوز ذلك على مال يأخذه منهم فإنها إذا جازت على غير مال فعلى مال أولى وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه , وهو مذهب الشافعي لأن فيه صغارا للمسلمين وهذا محمول على غير حال الضرورة فأما إن دعت إليه ضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر , فيجوز لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال فكذا ها هنا ولأن بذل المال إن كان فيه صغار , فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه وهو القتل والأسر , وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم.
ا.هـ المغني.
……………………..
وَأَمَّا”الدُّعَاءُ إِلَى الصُّلْحِ”:فَضَيْمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ ،وَذُلٌّ وَوَهْنٌ ، فَلَا يَجُوْزُ إِلَّا فِيْ حَالِ الِاضْطِرَارِ وَدَفْعِ أَمْرٍ لَا يُطِيْقُهُ الْمُسْلِمُوْنَ كَمَا عَزَمَ النبي صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَالِحَ عَامَ الْخَنْدَقِ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِيْنَةِ ؛
………………….
وَمَنِ ابْتُلِيَ بِكَلْبٍ عَقُوْرٍ فَشَغَلَهُ عَنْ شَرِّهِ وَأَذِيَّتِهِ بِرَغِيْفِ خُبْزٍ فَلَا ضَيْمَ عَلَيْهِ فِيْ ذَلِكَ .
ا.هـ أحكام الجهاد وفضائله.
………………………
إذا حاصر العدوّ المسلمين وطلبوا مالا لفكّ الحصار عنهم لم يجبهم الإمام ، لما فيه من إعطاء الدّنيّة ، وإلحاق المذلّة بأهل الإسلام ، إلاّ إذا خاف هلاك المسلمين فيجوز .
لأنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان لمّا اشتدّ البلاء على المسلمين في وقعة الخندق ، وطلب منهما أن يرجعا بمن معهما على أن يعطيهما كلّ سنة ثلث ثمار المدينة ، فاستشار النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة فقالا : يا رسول اللّه إن كان وحيا فامض لما أمرت به ، وإن كان رأيا رأيته ، لا نعطيهم إلاّ السّيف . فقال صلى الله عليه وسلم أنتم وذاك }
فقد مال النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الصّلح بالمال في الابتداء لمّا أحسّ الضّعف بالمسلمين ، فلمّا رأى قوّة المسلمين بما قال السّعدان
( سعد بن معاذ وسعد بن عبادة )
امتنع عن ذلك ،
ودفع الهلاك عن المسلمين واجب بأيّ طريق ممكن .
ا.هـ الموسوعة الفقهية الكويتية.
………………………………..
وفي النهاية وبناء على ما تقدم فإن هذا الغاز ليس ملكاً للمسلمين الآن لأنه بأيدي النظام الكافر حتى إذا ما تخلينا عنه يقال لنا تخليتم عن مالكم لأعدائكم بل هو مالهم الآن وقد غنمناه منهم ولكنها ليست غنيمة تامة فنحن أي المجاهدون نضطرهم ونلزمهم بالخضوع لإرادتنا والجلوس معنا لنأذن لهم
أن يأخذوا قسطاً منه بعد أن نأخذ قسطاً أكبر منه هذا أولاً.
……………….
وثانياً
عملاً ( بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات)
أي إن كان هذا الغاز لنا ملكا تاما فيجوز لنا بالاضطرار أن نتخلى عن جزءٍ منه مقابل حاجتنا الضرورية إليه.
والله نسأل التوفيق والسداد لما فيه عزة الإسلام والمسلمين.
والحمد لله رب العالمين.

نائب الأمين العام لهيئة العلماء والخطباء والدعاة الأحرار في سوريا

الشيخ عمر الفاروق البكري

27 جمادى الاولى 1437 للهجرة
الموافق لـ 7 آذار 2016 للميلاد