الحج … نفحات وذكريات !! بقلم الأستاذ الشيخ فياض العبسو

الحج … نفحات وذكريات !!
بقلم الأستاذ الشيخ فياض العبسو
الحج فريضة من فرائض الإسلام وركن ركين من أركانه الخمسة …
والحج رحلة إلى الله … رحلة روحية إيمانية … رحلة العمر … وجهاد لا شوكة فيه وهو جهاد المرأة …
ومؤتمر سنوي عالمي يجتمع فيه الناس من كل حدب وصوب … ومن كل فج عميق … على مختلف أجناسهم ولغاتهم وبلدانهم … لا تستطيع قوة على وجه الأرض أن تجمعهم هذا الجمع الطيب المبارك … أو تنظمهم هذا التنظيم البديع … لباسهم واحد هتافهم واحد هدفهم واحد شعارهم واحد … إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي …
يدعون ويلبون رباً واحداً أحداً لا شريك له …
لبيك اللهم لبيك = لبيك لا شريك لك لبيك = إن الحمد والنعمة لك والملك = لا شريك لك …
لبيك يارب الحجيج
جموعه وفدت عليك
ترجوا المثابة في حماك
و تبتغي الزلفى لديك
لبى لك العبد المنيب
و جاء مبتهلاً إليك
إلهنا ما أعدلك
مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك …
لبيك حقاً حقاً
لبيك تعبداً ورقاً
والحج مراجعة للتاريخ الإسلامي المجيد … حيث نتذكر أبا الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم وابنه إسماعيل وزوجه هاجر عليهم السلام … وقصتهم مع بناء الكعبة المشرفة أول بيت وضع للناس … ونبع ماء زمزم … والسعي بين الصفا والمرة … ونتذكر حماية الله لبيته ودفاعه عنه وذلك عندما أراد أبرهة الحبشي الأشرم وجيشه هدمه … وكيف أهلكهم الله تعالى …
( وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ) …
ونتذكر فتح مكة الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة … وكيف حطم النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام وطهر الكعبة من رجس المشركين والأوثان … ونتذكر حجة الوداع وخطبة الوداع في السنة العاشرة للهجرة …
كما نتذكر نزول القرآن في تلك البقاع الطاهرة المقدسة … ومهبط الوحي الأمين …
فإذا ذهبنا إلى جبل النور في مكة … رأينا وتذكرنا غار حراء وبعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ونزول أمين وحي السماء على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم … وقوله له: ( اقرأ … ) …
الحج يذكرنا بيوم القيامة ويوم المحشر حيث الناس شبه عرايا … يلبسون ثياباً بيضاء أشبه ما تكون بأكفان الموتى … متجردين من الدنيا … مقبلين على الله شعثاً غبراً يرجون رحمته ويخشون عذابه … دعاهم فأجابوه ولبوا الدعوة ودعوه فاستجاب لهم وغفر لهم ولمن دعوا له .
ونزلوا ضيوفاً في رحاب بيته العتيق … فهم وفد الله وضيوفه …
ولذلك يباهي الله بهم الملائكة ويهب مسيئهم لمحسنهم ويتقبل من محسنهم ويغفر للحاج ولمن دعا واستفغر له الحاج …
أصبحت ضيف الله في دار الرضا = وعلى الكريم كرامة الضيفان
تعفوا الملوك عن النزيل بساحهم = كيف النزول بساحة الرحمن
يا من إذا وقف المسيء ببابه = ستر القبيح وجاد بالإحسان
وأنا المسيء وقد رجوتك سيدي = تعفو وتصفح للعبيد الجاني
فالحج غذاء للروح … وشحنة إيمانية … تغذي المؤمن طيلة حياته … فلا ينس تلك الرحلة المباركة … بل يعيش على ذكراها .
ولذلك قال الحبيب الطبيب عليه الصلاة والسلام: ” الحج مرة فمن زاد فهو تطوع ” … وهذا الحج واجب على المستطيع …
قال الله تعالى: ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) وقال عليه الصلاة والسلام: ” من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله فقد وجب عليه الحج ” رواه الترمذي …
والحج مغفرة للذنوب والخطايا … ففي الحديث الشريف: ” من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ”
” والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، قيل وما بره يا رسول الله ؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام ”
والحج المبرور هو من يذهب إلى الحج بمال حلال ونفقة حلال … ويرجع من حجه بحال خير من الحال التي ذهب بها …
يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة …
ومذهب الجمهور أنه يجب الحج على المستطيع على الفور لا على التراخي … وهناك رأي للإمام الشافعي والإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهم الله جميعاً … أن الحج يجب على التراخي … وفي هذا فسحة ويسر .
ولذلك تسابق المتسابقون وتنافس المتنافسون في حج بيت الله الحرام … فهذا الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما … حج ستين حجة واعتمر ألف عمرة وأعتق ألف رقبة وعاش ثمانين سنة … رضي الله عنه …
وهذا التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يقول عن نفسه تحدثاً بفضل الله ونعمته عليه: حججت خمسين حجة وما فاتتني تكبيرة الإحرام في الصلاة منذ خمسين سنة وما نظرت إلى قفا وظهر رجل في الصلاة منذ خمسين سنة .
أي دائماً في الصف الأول … وإن الله وملائكته يصلون على الصف الأول …
وهذا التابعي الجليل محمد بن المنكدر رحمه الله تعالى … حج ثلاثاً وثلاثين حجة … وعندما وقف في عرفات الله في آخر مرة قال: اللهم إنك تعلم أني وقفت هذا الموقف ثلاثاً وثلاثين مرة … مرة عن نفسي ومرة عن أبي ومرة عن أمي .
وثلاثين مرة وهبتها لمن وقف هذا الموقف ولم تقبل منه … فسمع هاتفاً يقول له: أتتكرم على عباد الله وأنت في ضيافة الله … لقد غفر الله لهم وتقبل منهم …
وهذه السيدة نفيسة العلم من آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم … حجت ثلاثين حجة وختمت القرآن في قبرها وقد أعدته لنفسها سبعين ختمة … وصامت الدهر خمساً وثلاثين مرة … وبقيت تدعو الله تعالى أن يقيض روحها وهي صائمة ثلاثين سنة أيضاً ولما حضرتها الوفاة كانت صائمة … فطلبوا منها أن تفطر … فقالت: عجباً لكم … أنا منذ أكثر من ثلاثين سنة وأنا أدعو الله تعالى أن يقبض روحي وأنا صائمة أفأفطر الآن بعدما استجاب الله لي ؟!
وهذا سبط رسول الله وريحانته وسيد شباب أهل الجنة الحسين الشهيد رحمه الله ورضي عنه … حج خمساً وعشرين مرة .
وكذلك حج الإمام الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني الحسني الحسيني … خمساً وعشرين مرة …
وهذا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين أعظم ملوك الأرض وسيد خلفاء بني العباس الخليفة المظلوم المفترى عليه هارون الرشيد رحمه الله تعالى … كان يحج عاماً ويغزو عاماً وقد حج عشر حجج وحج مرة ماشياً … وكان يتصدق كل يوم بألف درهم من حر ماله … وكان يصلي في كل ليلة مئة ركعة منذ أن ولي الخلافة حتى وفاته وقد دامت خلافته ثلاثا وعشرين سنة وكان مجلسه مجلس علم وأدب وكان يحب العلم والعلماء ويتواضع لهم ويخدمهم بنفسه ويزورهم ويكرمهم …
وكذلك كان الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله يحج عاما ويغزو عاما .
وأمتنا كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره … ففي عصرنا هذا تسابق المسلمون إلى حج بيت الله تعالى … فهذا الشيخ الشاعر المحب الفاني بكري رجب البابي الحلبي رحمه الله تعالى … حج ثلاثاً وأربعين حجة واعتمر عشرات العمرات … اللهم بلغنا زيارة بيتك الحرام ومسجد نبيك الكريم صلى الله عليه وسلم …
يا رب بلغنا زيارة طيبة = إن الدعاء لدى الكريم مجاب
هذا وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي إلى أقوم طريق ، وبالإجابة جدير وحقيق .فياض العبسو